صوت الزيتونة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الضيف ، حللت أهلا ونزلت سهلا ، مرحبا بك بيننا ، ويسعدنا أن تنضمّ إلى منتدانا وتبادر بالتسجيل
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» خطرات بيانية لمعنى التناسق الفني في بعض المقاطع القرآنية بين القدامى و المحدثين ج 2 بقلم الدكتور يوسف بن سليمان
السبت مايو 21, 2011 12:37 am من طرف Admin

» خطرات بيانية لمعنى التناسق الفني في بعض المقاطع القرآنية بين القدامى و المحدثين ج 1 بقلم الدكتور يوسف بن سليمان
السبت مايو 21, 2011 12:32 am من طرف Admin

» تجديد التفسير القرآني من تعدّد القراءات إلى توحيدها نسقيّا بقلم د: يوسف بن سليمان ج 3
الجمعة مايو 20, 2011 10:10 pm من طرف Admin

» تجديد التفسير القرآني من تعدّد القراءات إلى توحيدها نسقيّا بقلم د: يوسف بن سليمان ج 2
الجمعة مايو 20, 2011 10:00 pm من طرف Admin

» تجديد التفسير القرآني من تعدّد القراءات إلى توحيدها نسقيّا بقلم د: يوسف بن سليمان ج 1
الجمعة مايو 20, 2011 9:17 pm من طرف Admin

» القرآن بين دعوى الحداثيين و القراءة التراثية بقلم الدكتور يوسف بن سليمان
الجمعة مايو 20, 2011 9:08 pm من طرف Admin

» تاريخ القراءات القرآنيّة في عهدها الأول الجزء الثالث بقلم الدكتور يوسف بن سليمان
الجمعة مايو 20, 2011 8:50 pm من طرف Admin

» تاريخ القراءات القرآنيّة في عهدها الأول الجزء الثاني بقلم الدكتور يوسف بن سليمان
الجمعة مايو 20, 2011 8:21 pm من طرف Admin

» تاريخ القراءات القرآنيّة في عهدها الأول الجزء الأول
الجمعة مايو 20, 2011 7:38 pm من طرف Admin


تجديد التفسير القرآني من تعدّد القراءات إلى توحيدها نسقيّا بقلم د: يوسف بن سليمان ج 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تجديد التفسير القرآني من تعدّد القراءات إلى توحيدها نسقيّا بقلم د: يوسف بن سليمان ج 2

مُساهمة  Admin في الجمعة مايو 20, 2011 10:00 pm

المبحث الثاني:
تجديد التفسير من الفهم اللغويّ
إلى التنزيل المفاهيمي

يبدو أنّ المدوّنة المعرفيّة القديمة قد سكتت عن معنى التجديد فلم تذكره، وإنّما ذكرت ما يقوم مقامه. فلم تتعرّض إلى الفعل مضاعفا (ج.د.د.د) فتغافلت عن التجديد بما يفهم منه الثورة على القديم. إلاّ أنّ ذلك لا يغمط حقّ التجديد من الدلالة على فحواه اشتقاقا وتقليبا. فالجِدّ (بكسر الجيم)، و(فتحها)، والجدد كلّه، وجه الأرض. أمّا الجِدّة (بكسر الجيم) فنقيض البلى وجدّد أصل ذلك كلّه القطع. أمّا ما جاء منه في غير ما يقبل القطع قوله " جدّد الوضوء والعهد " أي أعاد" .
فمفهوم التجديد عندئذ بدلالة سياق المضاعفة " جدّد " لا يعني القطع مع الماضي وإنّما الإعادة، فالجديد ما لا عهد لك به، وثوب جديد كأنّ ناسجه قطعه الآن .
و بناء على المعنيين يكون الجديد النسج على غير منوال دون القطع مع المألوف، والتماس الجديد من كلّ شيء. فهذا المعنى يتساوق مع طرح صاحب الدراسة في آخر عرضه. ويتقاطع معه في بدايته.
و من دلالات جذر (ج.د.د) الحظّ والأصيل الذي منه الأبوّة، والأمومة " ، فكأنّي بشرط التجديد الوفاء والبرّ لما ينبغي تجديده. إذ احتمال القطع معه يكون مستحيلا لأنّ من باب برّ الولد والده أو أمّه الوفاء لهما. ومن باب أولى أن يكون الأدب مع "كتاب الله" / القرآن. فالخروج عن دلالات النصّ القريبة والبعيدة دون دليل اعتبره البعض تنطعا في حقّ القرآن وبالمماثلة تنطعا في حقّ الوالدين استقاء من دليل اللغة لذلك قال "ابن مسعود " ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم وإيّاكم والتبدّع، وإيّاكم والتنطّع" .
كما أنّ من بين دلالات التجديد الإحكام. وجدّ في الأمر إذا كان ذا حقيقة ومضاء وثوب جديد، وجدّ حديثا أي قطع وكساء مجدّد، فيه خيوط مختلفة . وسواء دلّ التجديد على القطع فيما كنّا أشرنا إليه من قبل، أو على الخيوط المختلفة فإنّ تفسير القرآن من وجهة نظر جديدة متجدّدة أو حداثيّة تعني " الحركة، حركة النشاط الفكري الثقافي من الماضي إلى الحاضر إلى المآل المتوقّع أو المتصوّر له في المستقبل، ثمّ حركة التفاعل بين كلّ مجال من مجالات النشاط الفكري، والثقافي، وبين المجالات الأخرى." لذلك فإنّ الحديث عن المفسّر الواحد إشارة أو دلالة يضحي أمرا تقوم الدلائل الموضوعيّة والتغيّرات الحاصلة واقعا على عدم إمكان نفعه الشيء الذي يجعل من صاحب الدراسة يشير إلى انتقاضه آنا فآنا. بل إنّه يقيم الدليل على أنّ التفسير القرآني المتجدّد "يتعلّق دائما بالجهـود التجديديّة القائمة " . وتأسيسا على ذلك، ولئن ألحّ الدليل اللغوي على المضاء قدما في طريق التحويل والتصيير والتداول و"إصلاح ما خلق " فإنّ تساؤلات منهجيّة تستحثنا كي نحترز من الوقوع في التماهي مع الدليل اللغوي الذي يرجّح دليلا على آخر، نظرا إلى كون دليل التجديد اللغوي، دليلا متراجحا لذلك وجب الحسم مع مفهوم القطع دون شروط وحوافز. وذلك أنّ التجديد الحضاري عموما، والتفسيري خصوصا، يفترض: أنّ مفاهيم حضاريّة معينة تستبدل جديدا بقديم وتستعيض بمناسب عمّا لم يعد مناسبا. غير أنّ التجديد لا يعني طرحها كلّها، وإيجاد حضارة أخرى بديلة. كما أنّ التجديد محكوم بألاّ يفيد التكوين الحضاري العام. فالتجديد إصلاح. ومن ثم يفقد التجديد الإصلاح إن كان من شأنه إفساد التكوين المطلوب إصلاحه. لأنّ التجديد سواء أكان في مجال علم أصول الدّين، أم في مجال علم التفسير القرآني، " يعني العودة إلى رحم التخليق للمسلم من جديد والتواصل مع جذوره النصيّة وفيضه النبويّ. إنّه غير التحديث الذي هو العصرنة، وإنّما هو التجديد الذي يقابله في الفرنسيّة "Innovation" أي إضفاء الجدّة على ما كان قديما أو موجودا " . و" نحن لا نبغي التجديد فقط للخروج من الضعف إلى القوّة، فهذا الهدف لا شكّ هدف أساسي. لكن التجديد يجب أن يكون دعما لقوى التماسك داخل النسيج الاجتهادي " .
و بالمحصّلة فإنّ " القاعدة العامّة التي يجب أن توضع لتفسير كتاب الله هي ألاّ تنسب إليه أيّة تعاليم سوى تلك التي تثبت الفحص التاريخي بوضوح تام أنّه قال بها."
ومقابل التجديد الذي هو ليس ديدن الباحث صاحب الدراسة فحسب. وإنّما يجب أن يكون الهاجس المقابل، والمستمرّ للتقليد الذي هو أوّل هواجس المستقبل. فما هي إذن من الناحية المفهوميّة الاستراتيجية المكافئة للتقليد ؟
الجواب بيّن، إنّه " التجديد " والحقيقة " إنّ التجديد في ذاته ليس هو المطلوب الضروريّ لمن يسعى نحو الإصلاح، والإيمان بأن التجديد أمر تشتهيه النّفس على نحو أصيل. وبأنّها أيضا واقعة حقيقيّة وممكنة. أمّا تحقيق التجديد لذاته فهو نتيجة تترتّب على هذا الاعتقاد وهي مرتهنة لعمليات من نوع آخر. وفي حالة الإنسان المسلم لابدّ من أن نضع نصب أعيننا تحريره من الفهم التراجعي للتاريخ وللأزمنة وتقرير الاعتقاد في ذهنه بأنّ عقيدة التفاؤل هي التي ينبغي أن تكون ملكة عقليّة عنده. وأنّ عقيدة القدر الذي يوجه العالم نحو الأهواء لا تمدّ جذورا قويّة في المعتقد الإسلامي لنفسه. وذلك أنّ الأحاديث التي تنسب إلى الرسول ممّا يتصّل باختراق الأمّة نتيجة تجاذب أقطابها المعرفيّة أو الابتغاء المطّرد عن خير القرون، والسير في طريق التمرّد على الله، والخروج على شريعته، والتقدّم نحو الأسواء إلى حين خروج المجدّد الذي تدّعي كلّ عصبة أنّ زعيمها هو المعنى بالمجدّد على رأس كلّ مائة عام. فتلك الأحاديث ينبغي أن توجه قراءتها على نحو لا يؤذن بانحدار العصور الإسلاميّة. وأن يستبدل الفهم المتشائم بصنوه الواثق المتفائل الذي يعزو قيم الخروج من التخلّف إلى التجديد، والابتكار. وأنّ ذلك سنّة وقدر لايعضدان ماذهب إليه أبو بكر الطرطوشي بالقول " لقد ذهب صفو الزمان وبقي كدره " . كما علينا أن نوحّد بين التجديد والمستقبل. وأن نقرّ في ذهن تركيبة العقل المسلم أنّه يستطيع أن يطلب البقاء وأن يرث الأرض ويورثها تجديدا، وإفادة دون أن يسلّم بإمكانيّة التجديد، وواقعيّته.
إنّ الاستجابة السويّة للتجديد، لا تعني الانعتاق من الثوابت الأصليّة التي تمثّل ما هو جوهريّ وما هو تراشحي. وإنّما تعني فقط التجديد بعمليتي (الدمج والاستقطاب) لما يحمل التغيّر من عناصر وأوضاع محدثة. ولعلّ من حسن حظّ المسلمين المعاصرين، ومسلمي المستقبل، أنّ لديهم تجربة تاريخيّـة ناجحة، وحلا يرضيان العقـل المستقبليّ على نحو كاف. وقد عبّر الفقـه المالكي عن هذا الحـلّ بمصطلح " المصالح المرسلة، وخصّه الفقه الإسلامي عامّة في قاعدة "تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان" والحقّ أنّ هذا هو على وجه التحديد معنى التكيّف من حيث هو الاستراتيجيّة الملائمة لأحوال المستقبل ولدوافع التغيّر ".
و إذا عدنا إلى الجانب اللغوي في معنى التجديد أمكننا استلهام معنى الجدّ للدلالة على الاجتهاد. إذ يقال فلان جادّ، ومجدّ، أي مجتهد. وقال أجدّ إذا صار ذا جدّ واجتهاد. ودليله ما نصّ عليه حديث أحد : "لئن أشهدني الله مع النبيّ قتل المشركين ليرين الله ما أجدّ أي ما اجتهد " . وعندئذ يتنزّل معنى التجديد في هذا الحقل الدّلالي في الاجتهاد. وهو لغة بذل الوسع. فهو إذن يحيل إلى الآتي، بدليل معنى الحديث الذّي ذكرناه آنفا. فيصبح المعنى المقصود مختلفا اختلافا جوهريّا عن الفهم الذي اختاره باحثون كثر في دلالة التجديد. إلاّ أنّه يلتقي مع ما ذهب إليه "صاحب الدراسة" في جوانب ويختلف معه في جوانب أخرى، فيتفق مع اختيار صاحب الدراسة في دلالة التجديد على بذل الجهد والاجتهاد ضمن حركة متواصلة (نسق – نسقيّة). غير أنّ الإغضاء عن معنى الاجتهاد الكامن لغويّا في التجديد، والاقتصار على معنى الرجوع إلى الأصل، يدخل في إطار منظومة كاملة تتعاضد فيها المرتكزات لتؤسس بشكل وثوقي إطلاقي كليانيّ الدعائم للإقصاء (مذهبيّا وسياسيّا ولغويّا). والانغلاق على الذات ولكنّ الانغلاق هذه المرّة قائم على نمط جديد من التجاوز الآني. ومعانقة المستقبل ضمن خطّ سير تتعدّد حلقاته ولا تعير كبير اهتمام للماضي بهمومه، وأشواقه. لأنّ التجديد المعتبر لدى المفسّر يتمثل، بل " يدرك بقدر تحرّره من المدوّنة التفسيريّة الموروثة " . ولكن إذا كان التحرّر من المدوّنة المذكورة عملا رياديا في ما يبدو فأنّى لنا الموازنة بين ذلك، والحدود التي وضعها البعض في أحقيّة المفسّرين إصابة الحقّ (حقّ التفسير أو التأويل) ؟
فأحقّ المفسّرين بإصابة الحقّ في تأويل القرآن، الذي إلى جانب علم تأويله للعباد السبيل القويم أوضحهم حجّة فيما تأوّل وفسّر، ممّا كان تأويله إلى رسول الله دون سائر أمّته ومن أخباره الثابتة. إمّا من وجه النقل المستفيض فيما وجد فيه، وإمّا من وجه نقل العدول الأثبات فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من وجه الدلالة المنسوبة إلى صحّته. وأوضحهم برهانا فيما ترجم وبيّن من ذلك ممّا كان مدركا علمه من جهة اللّسـان فيما ترجـم وبيّن من ذلك، ممّا كان مدركا علمه من جهة اللّسـان، إما بالشواهـد من أشعارهم السائرة، وإمّا بمنطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة كائنا من كان ذلك المتأوّل والمفسّر" .
إنّ نحو الكاتب النحو التجديدي المذكور وليد نظرته للتجديد الذي يهفو دوما إلى السموق عبر معالجة أسباب الجذب إلى الخلف توسّلا " باستحضار قضايا العصر الفكريّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة."
إنّ استحضار قضايا العصر من منطلق البناء المعرفي القائم على الاستنهاض الفكري، والاجتماعي، والأخلاقي يظلّ رهين فهم مشترك لمعنى التجديد. وذلك بتحديد مجالاته وسبر أغوار آفاقه الاصطلاحيّة، ومراميه، وغاياته الحضاريّة. لا أن نبقي على استمرار المساءلات ومن ثمّ الإبقاء على هشاشة الوضع التفسيري الذي يشي بطبيعة المأزق الفكري العامّ الذي تعاني منه النخب في البلاد العربيّة منذ عقود والمنادية دون هوادة " بتأكيد الحاجة إلى تطوير ما نمتلكه من تراث. ولكن انعدام حوار فكري دفع بالأطراف الرئيسة إلى تدابر عقيم. لا يمكن أن ينمّي فكرا مبدعا، أو يؤسس لمناهج معاصرة " .
لقد لامس الباحث أزمة التغيير (التجديد) في جانبيها الحضاري (ممثلا في التراث)، والفكري الإبداعي، (الذي أساسه الاتفاق اصطلاحيّا على معنيي: التجديد الخاصّ والعامّ). وذلك أنّ الجانب الأوّل الحضاري يمتح من الأوّل الاصطلاحيّ وبذلك يمكن حصر المعضلة المفاهيميّة في الاتفاق بين التنظيمات (السوسيو-ثقافيّة) الانتلجنسيا على المعنى المراد من التجديد الحضاري عموما والتجديد التفسيري خصوصا. وفي هذا الخضم يستحضرنا سؤال مفاده: كيف تعاملت المؤسسات ذات النظر مع إرهاصات التجديد في ضوء المستحدثات العلميّة والحضاريّة قديما وحديثا، انطلاقا من المعنى اللّغوي- الاصطلاحي والمفاهيمي الحضاري ؟
الإرهاصات التجديديّة الأولى من التمسّك بالنصّ إلى التشوّف إلى العقل:
المدقق في ما نحن بصدده لا يعدم معالجة النصّ " تفسيرا " جانبين اثنين :
-1- جانب الغموض (المؤوّل) بشقّيه (المتشابه والمجمل).
-2- جانب الوضوح (النصّ المحكم).
فكيف السبيل إلى التجديد وأمامنا كمّ هائل من الحدود المنهجيّة، والرؤى المذهبيّة، والعقيديّة والتعدّديّة الفرقيّة ؟ وكلّ منها يدّعي الوقوف على ما به ينجلي الغموض إذ يبقى الأسّ شامخا. وتأسيسا على ما تقدم بالإمكان تقسيم المنجز والمعطى وفق حدود أصول وحدود فروع، وتلك الحدود تنقسم إلى حدود أصول وحدود فروع.
أمّا حدود الأصول فهي:
الحدّ الأوّل: " إن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه وجهر لا سرّ تحته، كلّه برهان لا مسامحة فيه واتهموا كلّ من يدعو إلى أن يتبع بلا برهان وكلّ من ادّعى أنّ لله ديانة سرّا وباطنا فهي دعاوى ومخارق" . فهذا الحدّ الأوّل يدّعي ظهور النصّ وجلاءه وبيانه وأنّه ناطق مستنطق لا متشابه فيه جليّ لا خفاء فيه. فكيف السبيل في التعاطي مع الحدّ الثاني الذي أساسه القطع ؟
الحدّ الثاني: إنّ الأصل في كلّ تقدير لابدّ أن يكون مقطوعا به لأنّه إن كان مظنونا تطرّق إليه احتمال الإخلاف ".
الحدّ الثالث: " الاجتهاد مشروط بعدم النصّ " وليس ذلك فحسب بل إنّ " المانع منه دائما هو وجود النصّ لا إمكان وجود النصّ " .
الحدّ الرّابع: إن العلم "(علوم القرآن) بحر زخّار. لا يدرك له من قرار وطود شامخ لا يسلك إلى قنّته ولا يصار. من أراد السبيل إلى استقصائه لم يبلغ إلى ذلك وصولا ومن رام الوصول إلى إحصائه لم يجد إلى ذلك سبيلا " . فظاهر هذا الحدّ مطاولة النصّ المستفهم أو المستقرئ أو الشارح المفسّر وهو حدّ إن لم يفهم منه المجاوزة أضحى حدّا مانعا الفكر من العمل أصلا.
في حين أنّ الحدود الفروع تجعل للعقل المستمرئ للعمل بناء على جملة قواعد انطلاقا من " أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على حال وعلى وتيرة واحدة، ومنهاج واحد مستقرّ. إنّما هو اختلاف على الأيّام والأزمنة والانتقال من حال إلى حال " .
الحدّ الفرعيّ الأوّل يطلق العنان أمام العمل العقلي أو العلمي. ويدفعه إلى أقصاه في إطار من ممارسة (تجريبيّة إيمانيّة عاقلة ومتعقّلة)، إذ السبيل إلى حصول التجدّد في اليقضة الإسلاميّة بغير التوسّل إلى تأطير وتنظيم وتأسيس هذه التجربة الإيمانيّة العميقة بأحدث، وأقوى المناهج العقليّة وأقدرها على مدّنا بأسباب الإنتاج الفكري. " فالتعقّل المبني على التجربة الإيمانيّة يمدّها بأسباب التجديـد في الفكـر توليـدا وترتيبا " .
وبناء على ذلك كيف التمييز بين الحدود الأصول وتلك التي تطلق العنان للعمل الذهني والعقلي أو التجريبي، والحال أنّها تقيم على ذلك أدلّة نصيّة تمثل حدّا فارقا بين العمل الذهني المنفلت من القيود، وآخر محدود بنصوص أصول لا تخرج الاستقراء من دائرة المسموح به شرعا وحدّا. لذلك وجب إيضاح الحدود الفروع.
الحدّ الأوّل:
يعلم يقينا أنّه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتّى يساوي أعلمهم في أصل ذلك ثمّ يزيد عليه فيجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة. وإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدّعيه من فساد حقّا " .
لذلك رأينا الباحث ينعى على أولئك المتوجّسين خيفة من التجديد. فالتوجّس في ما يزعم " هو العائق الذي تواجه به مؤسساتنا البحثيّة والدراسيّة الإسلاميّة قضيّة التجديد والمعاصرة " . لذلك ارتأينا التدليل على أن دعوة التجديد إنّما هي بوحي من القرآن ذاته.
الحدّ الثاني:
" القرآن كلّه دعوة إلى النّظر والاعتبار والتنبيه على طرق النّظر" . لكن تلك الدعوة إلى النّظر تضبطها قوانين صارمة دليلها من علوم المقاصد والأحكام.
الحدّ الثالث:
" الشريعة الإسلاميّة هدفت إلى أن تزوّد الإنسان بجملة من القواعد، والقوانين الثابتة. وهي ما نُصّ عليه في الأحكام، والمقاصد لتكون له قاعدة أبديّة تثبت أقدامه في عالم متغيّر. وتركت له باعتباره قوّة العقل فيه أن يوفق في وجوده بين مراتب الدّوام والتغيّر."
فهذا الحدّ سمّاه صاحب الدراسة " دلالة تأصيل " وفحواها " فهم الظروف والقوانين التي تحكم العالم عن طريق جدل بين فكر قديم له تارخيّته وفكر جديد له راهنيّته " .
الحدّ الرّابع:
الفكر الدّيني المتكامل والمتجدّد، لا يكون إلاّ نتيجة تفاعل جانب التجربة، والتعقّل في ممارساتنا الخلقيّة والعمليّة " .
و أمام هذا التجاذب بين قديم يراد له التجدّد، وراهن يرنو إلى استنهاض أسّ قيامه تستوقفنا الآثار الفكريّة، والتأصيليّة القديمة بقدرتها العجيبة على اختراق حجب العقل، عبر التكيّف باعتباره فضيلة مثلت استجابة ذهنيّة لأحوال التغيّر وأمواج التغيير والضامن للاستمرار والبقاء. ذلك أنّ للمستقبل صدمته بل صدماته. واعتبارا من ذلك ثقف العقل العربي الإسلامي في القرن الهجري الثالث الثوابت فاستوعبها، وقرّر تجاوز السّكون الذي جعله عدد عديد من مفكري العصر ديدنا. فكما وضعوا في العقائد مراجع بحثوا فيها ماهيات قيام الفكر فأسسوا لمبادئ العقل مرجعيات ظلّت تلهم ذوي الألباب بمبادئ تتشوّف لها النّفوس. فإنّهم وازنوا بين نوازع النفس ومبادئ العقل دون ترجيح أحد الجانبين على الآخر امتثالا لنظريّة أصيلة في أسّ قيام نظر الحضارة التي عمادها الرأسمال البشري. حيث أضحى بذلك " خيار هذه الأمّة الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم ولا دنياهم عن آخرتهم " .
و تأسيسا على ذلك، كان ديدن عالم كالحارث المحاسبي (ت 243هـ) الذي يعدّه الأشاعرة أساس مدرستهم الموازنة بين طرفي قيام تصوّر حضاري أصيل، يقف متوسطا بين الجانبين دون تغليب عقل على نقل. فكما نعثر على " مسائل في أعمال القلوب وآداب النفوس نجد جانبا قلّ نظيره عند غيره، وهو إشباع الذهن كشأن إشباع القلب النعل حذو النعل. عبر تعطير الواقع بمائيّة تبسط لـ"مائيّة العقل ومعناه واختلاف النّاس فيه ". حيث بات التنظير للرأي، والأخذ بأسس المعرفة ينحو إلى مدى بعيد من تشغيل آليات الذهن. غير أنّ ذلك بدا في أطر وقوالب مبادئها: " عيان ظاهر أو خبر قاهر. والعقل مضمّن بالدليل. والدليل مضمّن بالعقل. والعقل هو المستدلّ. والعيان والخبر، هما علّة الاستدلال وأصله. ومحال كون الفرع مع عدم الأصل، وكون الاستدلال مع عدم الدليل. فالعيان شاهد يدلّ على الغيب والخبر يدلّ على صدق. فمن تناول الفرع قبل أحكام الأصل سفّه " .
و بما أنّ النهضة الحضاريّة والتجديد المعرفي قائمان على الدليل والعقل، فكلاهما مضمّن في الآخر. وكلاهما أصل في عمليّة الاستدلال، بمعنى أنّ العيان الظاهر، وكذلك الخبر القاهر، لا يعدان دليلين دون وجود العقل. فالعقل هو الذي يمنحهما قيمتهما الدّلاليّة. وليس العقل عند المحاسبي الغريزة التي خلقها الله في المكلّف " ووضعها الله سبحانه في أكثر خلقه، ثمّ لم يطلع عليها العباد بعضهم من بعض ولا اطلعوا عليها من أنفسهم برويّة ولا بحسّ، ولا ذوق، ولا طعم. وإنّما عرّفهم الله إيّـاها بالعقل منه" .
و بذلك اكتملت حلقات التجديد عنده والمتمثّلة في العيان الظاهر، والخبر القاهر. إذ العيان الظاهر لا يعدو أن يكون العالم كلّه الذي هو شاهد يدلّ على الغيب، والمقصود بالخبر القاهر هو الشرع من قرآن وسنّة
لأنّ الخبر "يدلّ على صدق" .
إلاّ أنّ التجديـد وبعد حوالي قرنين من الـزمن يأخذ بعدا لا يستهـان به في إطار الاستفادة من قدرات المعرفة. فأضحى العلم مع أشعريّ آخر " معرفة المعلوم على ما هو به" . أمّا رجع صدى التجديد الذي ظلّ يتردّد إلى حدّ اللّحظة فقد اكتمل مع أبي داود السجستاني حيث لم يتحدّث عن عمليّة التجديد وإنّما وجه عنايته للحديث عن آلة التجديد وهو " المجدّد ". إذ الملاحظ أنّ مبحث المجدّد لم تدر في خلد كلّ من صاحب: "تجديد علم أصول الدّين " و" تجديد التفسير " إذ المستهدف في كلّ الدراسات غالبا قديمها وحديثها آلية التجديد لا الآلة، غير أنّ لفتة بسيطة من قبل صاحب " تجديد التفسير " تمثّلت في المرور ببحث مسألة الغاية منه التفسير عند كلّ من " الشيخ الفاضل بن عاشور والشيخ محمّد باقر الصدر والشيخ محمّد عليّ الصابوني" . فرغم هذا العبور على تلك الأسماء مشفوعة بمظاهر تجديد شفافة فلا نجد رابط بين الثلاثة اللّهمّ إلاّ في جنس الموضوع " تفسير القرآن وعلومه، إذ الأوّل لم يعرف بتبحّره في فنّه أمّا الثاني فإنّه قد نظّر لمعالمه وتشكيلاته في مؤلف يعد إرهاصا من إرهاصات الدراسة المنهجيّة لنهج موضوعي سمّى مجازا عند البعض " نهج النسق " أو " الدراسة النسقيّة ". في حين كان الصّابوني من رجال التفسير الشارحين المتمرّسين في كلّ من " صفوة التفاسير" و" روائع البيان في تفسير آيات الأحكام ". فطبيعة الموضوع لامست مظاهر الإبداع عند كلّهم إرهاصا وتبحّرا وتنظيرا دون تحديد المقصود بالمجدّد الذي تناوله "أبو داود " من مدّعى التجديد " يبعث الله لهذه الأمّة على رأس كلّ مئة سنة من يجدّد لها دينها " .
بيد أنّ ما فُهِم من التجديد الديني عموما، وتفسير القرآن جزء منه عند شرّاح الحديث يتمثّل في:
1- تبيّن السنّة من البدعة.
2- تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة.
3- إحياء (تجديد) ما اندرس من معالم الإسلام عملا بالكتاب والسنّة.
4- حلّ المشكلات المستجدّة بوضع أحكام شرعيّة لها.
5- نشر العلم وبعث الحميّة الدينيّة لإعزاز أهل الدّين " .
غير أنّه وبقدر أهميّة البحث في الخيط الرّابط بين المجدّد كآلة تدير مباحث التجديد وميكانيزماته فإنّها ترتقي زمانا، ومكانا وظرفا إلى المستوى المرجو من العمليّة التجديديّة برمّتها. لأنّنا وبتفحصّنا لمغزى الحديث والرّحم الذي ولد فيه يمكننا طرح تساؤلين:
أ‌- " أ لم يولد الحديث " تجديد الدّين " في رحم الاختلاف بما كان يفرض من الآداب التابعة له.
ب‌- أ لم يرحل المعنى إلى الرفض بعد أن اكتسـب مظهر القداسة فشـرّع لنمط من السياسـة ولنمـط من الحياة ؟ " .
و بناء على بعض المؤاخذات الواردة من هذا الفرق، أو ذاك، فباسْتِطَاعَتِنا أن لا نؤثر تراثـا جاثما على عقولنا يتأرخ لوقائع لا تصدقها الأحداث، والاستقراء التاريخي للحوادث على حديث لم يشكك في صحّته أقطاب البحث الحديثي دراية ورواية، وذلك عائد إلى أنّ: " التجديد بمنطوق الحديث ومفهومه خطّة من صميم الدّين بحيث لو لم تقتضها طبيعة الحياة لكان الوضع الذي بني عليـه الدّين أو الإسـلام كفيلا بتحقيقها " . وبعيدا عن التشريع لأنماط القداسة " الشخصيّة الكاريزما " عبر الربط آليات التغيير بفرد وعوضا أن يكون التجديد برنامجا مؤسّساتيّا أضحى رهين فرد، كما أنّ اختزاله في شخص واحد نأي به عن معنى التجديد لغة واصطلاحا. فضلا عن أنّه وفي ظلّ التكتلات التي تفرضها مراكز البحوث الحداثيّة يضحى الحديث عن الفردانيّة ضربا من " الخطف خلفا " ونكوصا وارتدادا لا مثيل له.
إنّ ربط قيم الاجتهاد والتجديد التفسيري بنظام النصّ وروحه أيّ بالنسق العام الذي يتخلّله وهو الذي يتيح للمجتهد أن يستخرج الحكم الشرعي من الدّلالة العامّة للنصّ " ، اعتبارا من كون النسق منهجا في التعامل فإنّ القراءة للقرآن تعدّ " توجّها تجديديّا في التعامل مع النصّ التأسيسي ضمن تيّار أوسع يتصل بالفكر الإسلامي الحديث وهو ما يمكن أن يطلق عليه اسم تيّار المعاصرة " .
فوُرُود مصطلح " تيّار " ضمن ما به يقوم النصّ أوّلا، ثمّ اندراجه في قيمة الزمن المراد تغييره وتجديده وبناء قيم حداثته ثانيا. يجب أن يوضع ضمن انضواء التجديد كفعل حضاري، والتجديد كحركة مسندة إلى القائمين عليها ضمن مفهوم التيار، لا ينهض بها عمل الواحد الذي نصّ عليه ظاهـر حديث "أبي داود ". ولا استعراض قيم التجديد في أعمال كلّ من الشيخ " محمّد عبده " والشيخ "الفاضل ابن عاشور" والشيخ " محمّد عليّ الصّابوني "، أولئك الذين ألمح صاحب الدراسة لبعض مظاهر التجديد عندهم.
إنّ ربط قيم التجديد التفسيري في مدرسة بعينها أو أيّ توجّه معرفيّ علا شأنه أو قلّ، لا يعبّر بوضوح على " تحريك للذات فضلا عن تحريك للمؤسّسات" .
إنّ إسناد التجديد التفسيري إلى التراجح بين مدوّنة تفسيريّة موروثة. وبين حاجات جديدة تمليها الظروف الزمانيّة والمكانيّة، هو الغاية التي يتغيّاها صاحب الدراسة. وهو المفهوم الإجرائي الذي يريد توجيه قيم التجديد والتحديث نحوه.
و بهذا الصّوغ المفاهيمي، يمكننا أن نستنتج قيمتين تعبيريّتين تتماهيان دون تناظر خصوصا إذا حصرنا التجديد لغة في الإعادة دون قطع. أو بذل الجهد للإصلاح دون الإفساد. والتصيير دون إخلال بالأصل.
أ- أمّا القيمة التعبيريّة الأولى فتتمثّل في: " النّقد المهذّب " .
و ذلك ما سعى صاحب البحث إلى بيانه وبذل ما وسعه البذل في سبيل جلاء معالم الإبداع من الإتباع في محاولات المجدّدين الذين أتينا على رسم ملامح التجديد عندهم.
ب- القيمة الثانية تتمثّل في: " الإخبار الوصفيّ ".
فضلا عن سرد أنماط من التفسير، وضرب الأمثلة ببيان " معضلة التراث التفسيري والمتمثلة في العائق الموضوعي بين المفسّر في العصر الحديث، وبين النصّ القرآني والذي حصيلته التوصّل إلى كمّ هائل من المعارف والمدلولات القرآنيّة في حالة تناثر، وتراكم عدديّ، تحول دون الكشف عن أوجه الارتباط بين مجاميع الأفكار " . بيد أنّ هذا الموقف لا يعبّر بجلاء عن قيم المحايثة للواقع من جهة وقيم الثورة عليها من جهة أخرى لأنّ الموقف الصحيح لكلا التوجّهين يبنى على مدى معايشة المفسّر المجدّد للحظته. إذ "ليس من مخلّص تجاه معرفة الوثوق الإسلاميّة التي سكّنت القضايا في متكرّرات سوى اللّواذ بالنصّ الدينيّ للكشف عن المتعدّد فيه دوره النّبيل في الحياة" . فضلا عن إدراك المعنى الصحيح لقيم التجديد عامّة والتجديد التفسيري خاصّة من منطلق الإجماع على أنّ " التحديث أو " الإصلاح " أو التجديد لا يكون إلاّ من داخل المنظومة ذاتها. إذ لا يجب أن يتمّ الإصلاح على حسـاب الدّيـن. بل يقع في الوقت نفسه بواسطـة الدّين، وفي الدّين ومستقلّ عنه " . وهو الطرح نفسه الذي ظلّ يردّده أبو حامد الغزالي في مؤلفيه: "إحياء علوم الدّين" و"المنقذ من الظّلال"، وذلك عبر كنه الدّرس الفلسفي وتهويماته والبعد الصّوفي وانغلاقه. إذ اتخذ له سبيلا آخر يتمثّل في إدراك أبعاد الشرّيعة وخصوصيات الذّات الإنسانيّة المتشوّفة دوما إلى ما به تقيم التوازن الصّعب بين استيعاب قيم التراث وخصوصيات الشريعة من ناحية، والتطّلع الدائم إلى مجاوزة واقعها لنسج واقع أوفق، وأصلح من ناحية ثانية. فلم يتخلّف أبو حامد الغزالي "عن المساهمة في فهمه لقيم التجديد لكن ليس عبر القطيعة مع القديم، أو الانغلاق داخل أسواره. وإنّما عبر تصوّر مستحدث قائم على ثنائية " المؤانسـة والمدارسة "، وفق شكل انفرد به وهو " الإحياء " وإن لم يعتبر تجديدا على الحقيقة، وإنّما هو عودة إلى الينابيع الأولى للدين ورجوع إلى الأصل" .
إلاّ أنّه رجوع في ما نعتقد ينطوي على جانب كبير من التجديد بين جنباته. وذلك أنّ ذلك الإحياء ينطوي في إحدى وجوهه على مقاصد تأويليّة. وذلك " بتشديدها على جانب دون آخر من التجارب نفسها وبتغليبها معنى على آخر في تفسير كلام الله. أي تغليبها الكشف على النّظر والأحوال على الفرائض وبذلك تعدّ التجربة الإحيائيّة لا عودة خالصة إلى الأصل أو تطابقا معه، ولا يمكنها أن تكون كذلك لأنّ كلّ تأويل ينطوي على تجديد ما في الرؤية والمنهج، وكلّ تأويل لابدّ أن يحمل أثر الحدث واللّحظة التاريخية أي أثر الزمن" .
و بعيدا عن التأويل الإحيائي، يعدّ الإحياء اللغوي في أبعاده المفهومية تجديدا ودلالة ذلك أكثر وجوهه الاشتقاقيّة إذ من بين معاني الإحياء " اللّين والطراوة، وحيا النبات حياة وإحياء، ما كان منه طريّا مهتزّا والحياة والإحياء، المنفعة والخير، والإحياء كذلك الاستخراج والمباشرة بتأثير لشيء. ومن ذلك إحياء الطريق وهو التأثير فيها واستبانتها " .
وبناء عليه فإنّ الطراوة دليل النّمو وبعث الحياة والاستمرار والمنفعة والخير وهل يكون المكرور ذا نفع؟
وإذا كان الإحياء النفع فإنّ النحو به نحو الاستخراج والاستبانة بذل للجهد وهل أنّ الأوبة بالشيء إلى حالته والتكرار يسع مفهوم التجديد، والحركة، وبذل الوسع، إذا كان ذلك يدل على السّكون والرتابة ؟
و إذا ثمّة ضرورة ملحّة قد مارسها الغزالي في نظرته الإحيائيّة الاجتهادية فلا يعدو أن يكون عمله يمتح من نصّ لامتناهي ( لاتنقضي عجائبه ) حسب تعبير الإمام عليّ، ووقائع متناهية.
كذلك كيف السبيل لحصر اللاّتناهي نصّا ووقائع ؟
لقد امتزج التصوّر الأشعري للتجديد بإقامة حدّ بين الدنيا والدّين. وذلك نابع من تصوّر الغزالي لغاية الدّين ووظيفته، وهي غاية تنحصر في الخلاص الفردي، والنجاة في الآخرة. غير أن ما فات الغزالي هو كون علم الفقه الذي وسع دائرته في الإحيائية يعتبر علما تمهيديّا يهيئ المناخ الملائم اجتماعيّا لتحقيق غاية الدّين الأصليّة وهي الغاية العمليّة.
و إذا كان التقسيم الإحيائي قائما على تصوّر بعدين للحياة (دنيا / آخرة). فإنّ ثنائيّة ثانية قائمة في مجال التجديد التفسيري المتماهية مع التصوّر الأشعريّ للكلام الإلهي بصفته الذاتية، لا بصفته فعلا. وما دام الكلام صفة ذاتية، أفلا يكون من الضروري الفصل بين الصفة القديمة الملازمة للذات الإلهية وبين تجليها في العالم، في القرآن المقروء المتداول، أي في النصّ ؟
ثمّ أَ لَمْ يَئِن الأوان في مجال النظر إلى التفسير نظرة تجديديّة، الفصل بين الظاهر والباطن لا على مستوى المعنى والدلالة فقط كما هو شائع في الفكر الصوفي. بل على مستوى البناء والتركيب (النصّ نفسه ونظامه) ؟
إنّ التجديد التفسيري المأمول مفتوح أمام غيره من المدارسات. إذ لا يمكن أن نقف عند حدود التكرار، أو الاجترار. وإنما يجب أن يتعدى فعل التغيير، " عدم الاكتفاء بفهم مقولات الدين عبر التواصل الديني الخاص كحضارة إسلامية. ولكن أيضا، عبر البناء الفكري العالمي ومقتضياته المعرفيّة " .
و لكن هل إنّ المنطق التجديديّ في مجال التفسير نابع من وعي مقارن قائم على وعـي بالتأخّر ؟
إن ما يدرك في الصيغة الإحيائية لأبي حامد ارتباطها بالحملة الصليبية الأولى التي انتهت باحتلال أراضي إسلامية بما في ذلك مدينة القدس فكان الإحياء رغم أصالته نابعا من وعي غير مكتمل " إذ بقي الغزالي يحمل على القوى الإسلامية الدّاخلية الشيعية خاصة، والإسماعيلية بالأخصّ، ولا يقول شيئا عن القوى الأجنبية والأجنبي الغالب لا عن طريق مقارنة تؤدي إلى وعي ما بالتأخر تجاهه. ولا ما قد يدفع إليه مثـل هذا الوعي " والشيء نفسه يمكن أن يقال في التنزيل المفاهيمي لدى صاحب الدراسة. فقد تحدث عن الشروط الموضوعية التي حكمت الجزيرة العربية كدلالة على وحدة النصّ القرآني كما لم يغفل دلالة التأصيل القائمة " على الظروف والقوانين التي تحكم العالم عن طريق جدل بين فكر قديم له تاريخيته وفكـر جديـد له راهنيته" . فضلا عن أنّه لم يبرح يوجه الباحث المستقرئ " إلى عدم تمييز المجدّد عن مواجهته للنصّ القرآني بين ما هو ظرفي تاريخيّ. وبين ما هو قيم. وتوجّهات محرّكة للإنسان المبدع" . بيد أنّه أغفل مسألة مركزية وهي: عدم تفريقه في مجال التجديد بين الإسلام المعياري، والإسلام الاجتماعي الذي غالبا ما ينتهي إثباتا إلى ما يشبه القطيعة. إذ يضحي إصلاح الخلل في مجال المتصوّر الأمثل للتجديد التفسيري متصوّر داخلي. والتجديد نمط ذاتيّ. دون إعطاء كبير اهتمام للرّاهن الذي تتحكّم فيه قوى داخليّة، وخارجية، لا تحمل الهمّ المعياري نفسه. ولا تعير اهتماما كبيرا للوافد الحداثي الذي ينخر كيان الأمّة.
فهل إنّ البديل الأمثل حينئذ يمكن أن يتمثل في الطرح الإنساني مقابلا للطرح العقائدي أو الإيديولوجي؟
إنّ "الإنسيّة" قد تكون أفقا ضرورياّ يكسر حدود التصوّر الضيّق لثقافة ظلّت محصورة في تكرار فهمها عن عالم قد تغيّر. " فتصبح آنذاك وسيلة لإدخال التنوّع، والنسبيّة، ولكنها في علاقة غير متكافئة بين الثقافات المختلفة " . حيث تستحيل الثقافة الواقعة تحت الضغط إلى مجرّد شعار أجوف. والمقارنة لا تعدو كونها عمليّة تبرير سطحية لثقافة الهيمنة. تلك الثقافة التي تبرّم من سطوتها الباحث والضاربة حجابا على الفكر، والواقع من خلال مسلكين: كلاهما لا يؤدي إلى تجديد فاعل في محور تفسير القرآن فضلا عن تجديد بيانه.
أمّا المسلك الأول فهو: التجديد عبر الإتباع والحال أن التيار الذي يتلمّس سبل المعاصرة " يرفض أن يكون مستنسخا لحلوله ومواقفه بصفة اتباعية " .
في حين أن المسلك الثاني: ينأى عن أن يكون " متبعا لخطاب دفاعي أو أيديولوجي يعتبر بوعي، أو غير وعي أنّ عناصر القوّة كامنة في الثقافة المحليّة " .
و لئن بدا صاحب " تجديد التفسير وإشكالية المعاصرة " قاطعا مع الموروث الحضاري بطرحه مسألة التحرّر من القديم واستبعاده استمدادا من قيم العصر، و" قضاياه الفكريّة والاجتماعية والأخلاقيّة " . فإنّه الطرح الذي سيتخلى عنه بعدئذ، إذ يستمر ماتحـا من المـاضي لكـن أيّ مـاضي ؟
إنّه الماضي الذي لا ينظر إليه باعتباره أشكالا مقدسّة، وعقيدة فحسب. بل إنّ النصّ كما يدعو إلى عقيدة التوحيد ومستلزماتها السلوكيّة، فهو " يمكّن المؤمن أيضا في كلّ فترة من خلال قراءة توحيديّة للنصّ أن يتدخّل في التاريخ ليساهم في اكتمال حكمة الإنسان، ودعم أسباب علمه، وتسديد فعله (...) والتجديد بهذا المعنى في كلمة " وعي بأهميّة الانتقال من مستوى القول بأن القرآن هو نصّ مركّز للتوحيد إلى مستوى يعتمد فيه على توحيد النصّ " .
فما يستشف من ذلك التجديد هو: إدراك أن النظر إلى القرآن ومعانيه (تفسيرا أو تأويلا)، يجب أن يتمّ وفق النظر إلى أحوال البشر في أطوارهم، وأدوارهم، ومناشىء اختلاف أحوالهم، من قوّة وضعف وعزّ وذلّ وعلم وجهل. لذلك قال الشيخ الإمام محمّد عبده " لابدّ للمفسّر من العلم بأحوال العالم الكبير علويّه وسفليّه ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة أهمّها التاريخ بأنواعه " . علاوة على الاحتراز من القطع السلبي مع الماضي، لأنّه ساكن فينا ومعنا. خصوصا في " الحالة الأولى التي يكون الشيء عليها في استقامته وقوّة أمره. ذلك أنّ الشيء يوصف بالجديد، إذا كانت متماسكة أجزاؤه واضحا رواءه، مترقرقا ماؤه " .
و لعلّ علم الباحث واقتناعه المبدئي بأن لا سبيل إلى التحرّر من القديم، وإن ذكر ابتداء ممّا جعله يقترح القراءة النسقيّة التي سنأتي على بيان غاياتها عنده ومن وجهة نظرنا.
إذن لن يكون هناك تجديدا إلا عبر التوسّل بمنهج واحد هو قتل القديم فهما ومدارسة. لأنّ تفسير القرآن كعلم هو الوحيد الذي لم ينضج. ولم يحترق، بناء على قول علمائنا (متقدمين ومتأخرين) :" القرآن لا تلتبس به الألسن ولا يخلق من كثرة الردّ فإذا ردّد مرّة بعد مرّة لم يخلق ولم يملّ كغيره من الكلام، ولا تنقضي عجائبه " فضلا عن " أنّ العقول وإن كانت خلقت مستعدّة لقبول المعارف وتميز الحقائق فليس في الإمكان إحاطتها بجملتها، فإنّ الإحاطة لا تكون إلاّ للمحيـط وذلك معلوم قطعا " . وهو المنطبق تماما على القرآن الذي لا تنقضي عجائبه وإن استنطقه القوم العالمون العارفون فلن ينطق إلاّ بمقدار فهوم العقول الرّاجحة. وصدق من قال: " علوم القرآن اختلف المختلفون فيها. وتشبث الملحدون بتفسير معانيها. ففسّرها قوم بمعاني فارغة. وآخرون بمعاني باطنة، وطائفة بظاهر، وجملة تأويل مجازي، وثقة بردّ كليّ " . فما بلغوا معشار ما آتاهم الباري من علم. ناهيك من عدم تناهي معانيه واستيعابها الكبير لكلّ عوالم المعقول وصحيح المنقول، من ذلك احتجاج الفخر الرّازي لقوله بعدم تناهي المعاني في ملخّص جدير بالتذكير وهو قوله: " وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين إذا ذكروا وجها في تفسير آية فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها وإلا صارت الدقائق التي يستنبطها المتأخرون في التفسير مردودة. وذلك لا يقوله إلاّ مقلّد خُلْفٌ " . والتجديد فضلا عن كونه " ما لا عهد للباحث به أنّه مبالغة في ما يصرمه الإنسان صرما " . فإنّه يتساوق مع الروايات التي تؤرخ للمفسّرين الأوائل، وأعمالهم التجديديّة. كما تتماهى وما يطرحه صاحب البحث من فهم لأركان التجديد التي يستوعبها ثالوث هو:
أ‌- المفسّر أو المجدّد.
ب‌- التراث التفسيري (كتب التفسير).
ت‌- النصّ أو النصّ الأصلي.
ممّا يملي على المسلم ضرورة ممارسة عمليّة التفسير والتجديد فيها ممارسة الصحابة لها تحت طائلة الضرورات الحياتيّة، وسعيهم المتواصل للتأثير في الواقع قولا، وعملا، بعيدا عن التأثير المباشر للرّسول . وممّا يؤيّد ذلك ما رواه الغزالي والقرطبي من أنّه " لا يصحّ أن يكون كلّ ما قاله الصّحابة في التفسير مسموعا من النبيّ لوجوه:
أ‌- أحدهما أنّ النبيّ لم يثبت عنه من التفسيـر إلاّ آيات قليلة وهي ما تقـدّم عن عائشـة أم المؤمنين، وذلك أنّ بلاغته " لا تستدعي مزيدا من غاية الإقناع والقناعة فكأنّ شرحه هو الشّرح المتعالي عن اللغة، وأهلها، المستمدّ لشرعيّته من السماء. فهو شرح في منزلة بين المنزلتين بين سماء الله تعالى، ولغة البشـر. ولعلّ الأمر لن يكون كذلك بعد وفاته ".
ب‌- إنّهم اختلفوا في التفسير على وجوه متعدّدة لا يمكن الجمع بينها، وسماع جميعها من الرسول محال. ولو كان بعضها مسموعا لترك الآخر، أي لو كان بعضها مسموعا لقال قائله: إنّه بسمعه من رسول الله فرجع إليه فخالفه " .
ج- لم يحتج السّلف ولا الذين أدركوا وحيه ، أن يسألوا عن معانيه. لأنّهم كانوا عرب الألسن فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعمّا فيه ممّا في كلام العرب مثله من الوجوه. " والتلخيص فضلا عن عدم الاحتياج لأقوال أهل اللّغة، فإنّه قد عرف تفسيره وما أريد بذلك من جهة النبـيّ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقـوال أهل اللغة ولا غيرهم " . فلا غرابة أن يسند السيوطي وهو ما هو جمعا وتحقيقا وتمحيصا أوّل تفسير للقرآن "لجلال الدّين البلقيني " يقول: " والتفسير علم نفيس لم أقف على تأليف فيه لأحد من المتقدّمين حتّى جاء شيخ الإسلام جلال الدّين البلقيني فدوّنه ونقّحه وهذبه ورتّبه فأتى بالعجب العجاب في كتاب سمّاه "مواقع العلوم من مواقع النجوم " وقد جعله خمسين نوعا على نمط أنواع علوم الحديث " .
د- كما كان جميع السّلف متفقون على أنّ القرآن لا يعارضه إلاّ القرآن. لا رأي، ومعقول، وقياس، ولا ذوق، ووجد وإلهام ومكاشفة " .
و بعد بيان المفاهيم الإجرائية، وأركان ممارستها، ينتقل صاحب " تجديد التفسير " إلى تسوير كلّ ذلك في حضرة تفسير النصّ بعنصرين مكمّلين، ولعلّهما أهمّ ما في عمليّة استقراء النصّ تجاوزا للتفسير. لكن هذه المرّة توسّلا بالتحقيق في " ما ينتجه المفسّر، وبين الفهم الحقيقي لكلام الله " من ناحية " الجدل بين الوحي والتاريخ في مستوى المدوّنة التفسيريّة، وفي مستوى النصّ القـرآنـي نفسه، من ناحية ثانية " . ويستدرك صاحب البحث الوسيلتين المتحدث في شأنهما بخلاصة مفادها: " إنّه لابدّ للمفسّر المجدّد أن يميّز عند مواجهة النصّ القرآني بين ما هو ظرفي تاريخي، وبين ما هو قيم وتوجهات محرّكة للإنسان وطاقاته المبدعة " .
إنّ ما يستوقفنا حقّا في ممارسة " تجديد التفسير " عند من يدعو له قصده من التمايز بين منتج هو المفسّر، وبين فهم حقيقي لكلام الله تعالى. ويُعْنَى به " ممارسة درك المعنى الحقيقي لكلام الله "، وفي ذلك عدم القبض على طائل، إذ كيف يمكن درك اللامتناهي أي النصّ القرآني بأساليب متناهية. أفلا تكون الممارسة التفسيريّة قياما بها أو تنظيرا لها ضربا من المزايدة الوسيليّة ؟ كما يجب فهم الهدف الذي وضعه صاحب البحث من إثارته " للجدل بين الوحي، والتاريخ في مستوى المدوّنة التفسيريّة وفي مستوى النصّ القرآني نفسه " .
غير أنّنا نرى تجاذبا بين الوحي والتاريخ. لأنّه لا مجال لتجديد خارج إطار التاريخ ودون حضور النصّ، ذلك النصّ المستغلق على الكثيرين، لذلك " لا نرى ضيرا من التكليف باستقصاء البحث فيه بحسب الطاقة ومبلغ العلم مع تعذر الاطلاع على تمامه " . كما يجب التحوّط عند الأخذ بالتفسير في المستوى المطلوب بدرك " العلم بالمقاصد الأصليّة التي جاء القرآن الكريم لتبيانها " .
الملاحظ أنّ صاحب البحث لا يترك تحليله غفلا من الإشارة إلى المعنى الذي قصدناه. وهو تأكيده على التجديد في شكل استفهام مبرّره في ذلك: " كأن النصّ القرآني في دلالته أمر هيّن، وكأنّ الرجوع إلى الأصل القرآني في مقاصده ممّا يمكن أن يتاح بصفة نهائية لبعض علماء الأمّة. نظرا إلى كون النصّ القرآني ليس مجرّد وثيقة توجيهيّة نظريّة عامّة، بل هو وحي إلاهيّ امتزجت توجيهاته لتاريخ محدّد " .
إلاّ أنّ تلك التوجيهات وعكس ما يرى صاحب البحث هي توجيهات عامّة، النزر القليل منها يرتبط بتاريخ محدّد، بيد أن أغلبها منفتح على التاريخ قديما، وحديثا. كما أن سلطة المقدّس لا يجب أن تجاوز ما حدّه الباري تعالى لأنّ كلّ حصر لدائرة المنشود التجديدي سجن لأهداف النصّ ذاته وغاياته، حيث لا تُبنى معانيه على " فهم طائفة واحدة ولكن معانيه تطابق الحقائق، وكلّ ما كان من الحقيقة في علم من العلوم وكانت الآية لها اعتلاق بذلك، فالحقيقة العلميّة مرادة بمقدار ما بلغت إليه فهم البشر، وبمقدار ما ستبلغ إليه، وذلك يختلف باختلاف المقامات ويبني على توفّر الفهم وشرائطه أن لا يكون تكلّفا بيّنا ولا خروجا عن المعنى الأصلي " .
و خلاصة المسألة التجديدّية في المجال المفاهيمي يمكن قراءتها ضمن بعدين: أحدهما لغوي يؤسس لفهم جديد في مجال التجديد العقيدي- الحضاري، أو الأصولي ضمن بحث استقصائي ينطلق من اللغة ليعود إليها. وذلك عبر فكّ الرّمز الإبهامي عن تردّد التجديد بين قطبي " القطـع / الفصـم ، والنّسـج على غير منوال " مضاف إلى ذلك التراشح الدلالي اللغوي بين مفهومي كلّ من التجديد والإحياء ووقوعهما بين طرفي " الاستخراج والاستبانة إضافة إلى معنى الاهتزار " .
فهذا التردّد أدّى في إحدى حالاته غير المبرّرة إلى عدم تجلّي الإدراك المفهومي ممّا يدعونا إلى التنبيه إلى أنّ معنى القطع مع الماضي حاصل شريطة أن يكون القطع متولّدا عن التكرار، والمماثلة في غير بيان، ولا إضافة. كما أنّ التجديد نفسه نسج على غير منوال حاصل أيضا لدلالة الأفق الحضاري عليه. وتأسيسا على ذلك فإنّ " عدم تجلّي إدراك معنى التجديد لا يدلّ على استحالته " .
أمّا البعد الثاني فيعني به البعد المفاهيمي: فالتراجح اللغوي بين مفهومي: القطع والنسج على غير منوال وبذل أقصى الجهد قد أدّيا إلى عدم وضوح العبارة. ومن ثمّ إلى ضبابيّة درك فحوى التجديد مصطلحيّا ممّا جرّنا إلى الاستنجاد بفحوى الخطاب اصطلاحيّا – مفاهيميّا، إذ الإبهام الحاصل من التردّد بين دلالتين حضاريّتين " ليس معناه الغموض واللّبس والإغراب. وإنّما هو شيوع للدّلالة وإجمال في اللّفظ، فيتسنّى إطلاق التجديد على مسميات عديدة " . لذلك بإمكاننا الإصرار في مجال الفكر الإسلامي المعاصر والدراسات الإسلامية ذات البعد التأصيلي على " إعادة المساءلة والتوسّل مرجعيّا بالنصّ القرآني باعتباره مكمن الحقيقة الدّينيّة ونبراس الاجتهاد الأوّل دون القول بإهمال الوضع ومستلزمات التفكير فيه قصد العمل من أجل تغييره ومواكبـة الحيـاة في هذا العصر " .
كما إنّنا لا نخفي قصدا نأمل تحققه والمتمثّل في إعادة قراءة النصّ القرآني وتفسيره بدافع الرغبة في التحديث، والتجديد دون توجيه أيديولوجي. وذلك قصد الانخراط الفاعل في الحضارة الكونية كلّ ذلك ضمن تفهّم قضايا الحاضر، واستيعابها عبر إتباع حركة مزدوجة تتمثّل في: " الرّحيل من الوضعيّة الرّاهنة إلى الأزمنة القرآنيّة ثمّ العودة إلى الرّاهن المعيش " . وبذلك تكتمل المزاوجة بين بعدي الدراسة التفسيريّة لكتاب الله العزيز (لغة ومفاهيما).
و إذا كان النصّ القرآني في حدود ما آل إليه رأي صاحب " البحث التجديديّ " يقرّ بانقطاع الوحي واكتمال تنجيم القرآن نصّا لا يمنع من ارتقاء فهم الدّين باعتماد المعرفة الجديدة، وما يطرحه الواقع من معضلات" ، وهو ما لا نختلف معه فيه. فما حدود المعارف الجديدة المقترح اعتمادها وما طبيعة تلك المعضلات المتسائل عنها ؟
ثمّ إنّ الباحث يضيف إلى كلّ ذلك القطع مع القراءة " الأيديولوجية بتمثّل القراءة النسقيّة " إذ إنّ ذلك في اعتقاده كفيل بتحقيق هدفين رسمهما مسبقا وهما:
أ‌- المعاصرة.
ب - ديمومة القرآن.
فهل ستستجيب الخطّة المرسومة لنظم النسق، وتقطع قطعا نهائيّا مع التأويلات الأيديولوجيّة والصّراعات المذهبيّة ؟ وإذا كان التراشح الدلالي بين فهم التفسير لغويّا، وبين تنزيله مفاهميّا لا يوفي بغرض المفسّر المجدّد فهل تكون الأيديولوجيا الطريقة المثلى لقراءة النصّ وفهمه نسقيّا ؟

============
الإحالات:

- ابن منظور محمد بن مكرم، لسان العرب المحيط، المرجع نفسه، ج01، ص

Admin
Admin

عدد المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 17/11/2009

http://bouzghiba.forumactif.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى